الآلوسي

292

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

تزييفه قلما لكني لذلك أقول : لا يخفى أن ثانِيَ اثْنَيْنِ وكذا إِذْ هُما فِي الْغارِ إنما يدلان بمعونة المقام على فضل الصديق رضي اللّه تعالى عنه ولا ندعي دلالتهما مطلقا ومعونة المقام أظهر من نار على علم ولا يكاد ينتطح كبشان في أن الرجل لا يكون ثانيا باختياره لآخر ولا معه في مكان إذا فر من عدو ما لم يكن معولا عليه متحققا صدقه لديه لا سيما وقد ترك الآخر لأجله أرضا حلت فيها قوابله وحلت عنه بها تمائمه وفارق أحبابه وجفا أترابه وامتطى غارب سبسب يضل به القطا وتقصر فيه الخطا . ومما يدل على فضل تلك الاثنينية قوله صلّى اللّه عليه وسلّم مسكنا جأش أبي بكر : « ما ظنك باثنين اللّه تعالى ثالثهما » ، والصحبة اللغوية وإن لم تدل بنفسها على المدعى لكنها تدل عليه بمعونة المقام أيضا فإضافة صاحب إلى الضمير للعهد أي صاحبه الذي كان معه في وقت يجفو فيه الخليل خليله ورفيقه الذي فارق لمرافقته أهله وقبيله ، وأن لا تَحْزَنْ ليس المقصود منه حقيقة النهي عن الحزن فإنه من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بل المقصود منه التسلية للصديق رضي اللّه تعالى عنه أو نحوها . وما ذكروه من الترديد يجري مثله في قوله تعالى خطابا لموسى وهارون عليهما السلام : لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما [ طه : 46 ] وكذا في قوله سبحانه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ يونس : 65 ] إلى غير ذلك ، افترى أن اللّه سبحانه نهى عن طاعته ؟ أو أن أحدا من أولئك المعصومين عليهم الصلاة والسلام ارتكب معصية سبحانك هذا بهتان عظيم ، ولا ينافي كون الحزن من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بالنظر إلى نفسه أنه قد يكون موردا للمدح والذم كالحزن على فوات طاعة فإنه ممدوح والحزن على فوات معصية فإنه مذموم لأن ذلك باعتبار آخر كما لا يخفى ، وما ذكر في حيز العلاوة من أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه فيه من ارتكاب الباطل ما فيه فإنا لا نسلم أن الخوف يدل على الجبن وإلا لزم جبن موسى وأخيه عليهما السلام فما ظنك بالحزن ؟ وليس حزن الصديق رضي اللّه تعالى عنه بأعظم من الاختفاء بالغار ، ولا يظن مسلم أنه كان عن جبن أو يتصف بالجبن أشجع الخلق على الإطلاق صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن أنصف رأى أن تسليته عليه الصلاة والسلام لأبي بكر بقوله : لا تَحْزَنْ كما سلاه ربه سبحانه بقوله : لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ * مشيرة إلى أن الصديق رضي اللّه تعالى عنه عنده عليه الصلاة والسلام بمنزلته عند ربه جل شأنه فهو حبيب حبيب اللّه تعالى بل لو قطع النظر عن وقوع مثل هذه التسلية من اللّه تعالى لنبيه النبيه صلّى اللّه عليه وسلّم كان نفس الخطاب ب لا - تحزن - كافيا في الدلالة على أنه رضي اللّه تعالى عنه حبيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإلا فكيف تكون محاورة الأحباء وهذا ظاهر إلا عند الأعداء . وما ذكر من أن المعية الخاصة كانت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحده والإتيان - بنا - لسد باب الايحاش من باب المكابرة الصرفة كما يدل الخبر المار آنفا ، على أنه إذا كان ذلك الحزن إشفاقا على رسول اللّه عليه الصلاة والسلام لا غير فأي إيحاش في قوله لا تحزن على أن اللّه معي ، وإن كان إشفاقا على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى نفسه رضي اللّه تعالى عنه لم يقع التعليل موقعه والجملة مسوقة له ولو سلمنا الايحاش على الأول ووقوع التعليل موقعه على الثاني يكون ذلك الحزن دليلا واضحا على مدح الصديق ، وإن كان على نفسه فقط كما يزعمه ذو النفس الخبيثة لم يكن للتعليل معنى أصلا ، وأي معنى في لا تحزن على نفسك إن اللّه معي لا معك » . على أنه يقال للرافضي هل فهم الصديق رضي اللّه تعالى عنه من الآية ما فهمت من التخصيص وأن التعبير بنا كان سدا لباب الايحاش أم لا ؟ فإن كان الأول يحصل الايحاش ولا بد فنكون قد وقعنا فيما فررنا عنه ، وإن كان الثاني فقد زعمت لنفسك رتبة لم تكن بالغها ولو زهقت روحك ، ولو زعمت المساواة في فهم عبارات القرآن الجليل وإشاراته لمصاقع أولئك العرب المشاهدين للوحي ما سلم لك أو تموت فكيف يسلم لك الامتياز على الصديق وهو - هو - وقد فهم من إشارته صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث التخيير ما خفي على سائر الصحابة حتى علي كرم اللّه وجهه فاستغربوا